مـقـدمــة بقلم أ.د مصطـفى جــوده

البشرية كلها عطشى لكل كلمات العظماء في جميع مراحلهم ومحفوظ أحد هؤلاء لأنه ليس كاتبا مصرياً أو عربياً ولكنه عالمي. وعليه فلابد من بحث وتنقيب واستخراج واستخلاص لكل كتاباته وإتاحتها للباحثين والقراء في مصر والخارج.

الكتابات التي نحن بصددها في هذا الجزء الأول من الكتابات الأولية لمحفوظ هي انفعالات الشباب وأفكاره البكر. ومن خلال قراءتها ندرك أن محفوظ دخل حديقة الأدب من باب الحكمة مسلحاً بأساسيات الفلسفة التي درسها وتفوق في دراستها، ومتأثراً بأفكار الفلاسفة العظماء وطريقة حياتهم ملتزماً بالمنطق ودقة التعبير وآخذاً بالمنهج العلمي فيما يكتب بفاعلية شديدة. القارئ لمحفوظ يحس بفنان مسئول تجاه وطنه وثقافته وإحداثيات مكانه وزمانه.

وربما كان محفوظ ذو حظ عظيم فقد سلك مسارات ودروب ساعدته كلها في الوصول إلى العالمية. بدأ بالمقالات الفلسفية والقصة القصيرة مما ساعده على التركيز الشديد لإفتنان القارئ وجعله يلهث بشوق وراء كل كلماته وأفكاره وانفعالاته. إضافة إلى الموهبة الفذة الأصيلة، والتعليم الجيد، والثراء الثقافي المطرد وربيع مناخ النهضة الأدبية الذي نشأ فيه وعايشه في سنوات شبابه ووجود القدوة المؤثرة في حياته، كان هناك الالتزام الصارم والمثابرة والصبر والمصابرة والرساخة فيما يفعل. كما أنه لم يلجأ أبداً إلى التعميم والشعارات وركوب الموجة والإلصاق لأي أحد أو فكره ولو كانت مخالفة. عندما تتأمل كلماته تدرك عظمته:

" في أثناء سنوات الوظيفة، كنت أنام في الحادية عشر مساءاً وأستيقظ قبل السادسة صباحاً حتى يتسنى لي ممارسة رياضة المشي... تلك الرياضة التي حافظت عليها طوال حياتي. كنت أنزل من ترام العباسية وأسير على قدمي حتى أصل إلى وزارة الأوقاف، مرورا بشارعي سليمان وقصر النيل. وبعد الزواج وانتقالي إلى شقتي الحالية في العجوزة زادت المسافة التي أمشيها. كنت أسير من شارعي الجبلاية والبرج ثم كوبري قصر النيل إلى وزارة الأوقاف. وكانت المسافة تستغرق ساعة يومياً. وبعد المعاش حافظت على هذه العادة، وبدلاً من الذهاب إلى الوزارة كان المطاف ينتهي إلى مقهى على بابا في ميدان التحرير "(1)

" في مرحلة الوظيفة كنت أفرغ من عملي في الثانية ظهراً، وأعود إلى البيت لتناول الغداء ثم أستريح لبعض الوقت، ثم أجلس على مكتبي عندما تدق الساعة الرابعة. وأبدأ بالكتابة لمدة ثلاثة ساعات ثم تليها ثلاث ساعات أخرى للقراءات المتنوعة "(2). بكل المقاييس، أي إنسان يلتزم بذلك النظام الصارم لابد أن يحصل على جائزة نوبل !! سنة الله في خلقة. ما فعله محفوظ لا يختلف عما كان يفعله إمانويل كِنت "إشتهر الفيلسوف بدقه النظام في حياته اليومية، فكان يستيقظ مبكراً في الساعة الخامسة والربع صباحاً صيفاً وشتاءاً وكان يحضر محاضراته ما بين السادسة والسابعة صباحاً ويلقيها حتى التاسعة أو العاشرة ثم يعود إلى مكتبه ليعمل حتى الساعة الواحدة والربع ظهراً، فيحضر أصدقاؤه لتناول طعام الغداء معه وفى الساعة الرابعة بعد الظهر كان يخرج ليتريض ساعة في الطريق الذي أطلق عليه اسم "نزهه الفيلسوف" وبعد عودته كان يعمل حتى الساعة العاشرة مساءاً"(3).ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، لا خلاف بين عظيمنا وعظيم ألمانيا !!

رحلة محفوظ مليئة بالكنوز التي سيكشفها الزمن ومجهودات الباحثين، ومن هذه الكنوز تجسيده لقضايا وطنه، وعولمته للحارة المصرية وتخليدها، وهو هنا استطاع أن يعولم المحلى: الوظيفة الميرى والمقهى والحارة كما انه جعل العالمي محلياً في استخداماته للالجورى( Allegory: قصة رمزية وهى قصة تحمل قي ثناياها معنى غير المعنى الظاهر مثال ذلك: أولاد حارتنا، تحت المظلة)، واستخدام التحليل النفسي وتطويع المفاهيم الفلسفية المعقدة. لقد أسدى لنا الناقد الكبير رجاء النقاش خدمات جليلة وقدم لنا عملين عن نجيب محفوظ، أولهما إصداراً عدداً خاصاً عن نجيب محفوظ لمجلة الهلال في فبراير 1970 عندما كان رئيساً لتحريرها. ويحوى هذا العدد في طياته فك كثير من شفرات محفوظ، وثانيهما كتابه " نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته، مركز الأهرام للترجمة والنشر – 1998 "، والذي هو عبارة عن أجراء أحاديث وحوارات موسعة صادقه وصريحة مع نجيب محفوظ تتناول بالدقة والتفصيل كل ما يتصل بأدبه وحياته. والعملان لرجاء النقاش معاً يكونان صورة كاملة ديجيتال لنجيب محفوظ. ولو أنني مسئولاً في وزاره الثقافة لترجمت العملان الأساسيان إلى لغات عدة لإتاحتهما للدارسين في كل بقاع العالم. ولقد أدهشني كثيراً في بحثي أن سيد قطب صاحب الظلال كان ببصيرته أول من تنبأ بعالمية نجيب محفوظ حيث يقول في نقده قصه خان الخليلي أنها: "تسجل خطة حاسمة في طريقنا إلى أدب قوى واضح السمات متميز المعالم، ذي روح مصرية خالصة من تأثير الشوائب الاجنبيه – مع انتفاعه بها - نستطيع أن نقدمه – مع قوميته الخاصة – على المائدة العالمية فلا يندغم فيها، ولا يفقد طابعه وعنوانه، في الوقت الذي يؤدى رسالته الإنسانية، يحمل الطابع إلانسانى العام ويساير نظائره في الآداب الأخرى " (4)

لقد شخص سيد قطب نجيب محفوظ تشخيصاً دقيقاً واصفاً إياه بالعالمية عام 1939 !! وبدون إطالة أو استطراد أود أن اترك القارئ يبحر في محيط محفوظ وأن يعود لزمن جميل، وأدعو الله أن أكون قد صببت كوب ماء في محيط محفوظ الذي سيتعلم منه وسينهل منه بلايين البشر قراء وباحثين لآلاف السنين وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. و محفوظ بشهادة العالم كله في وزن ديكنز وبلزاك وجيمس جويس وويليام فوكنر. محفوظ يزيدنا بسطة في العلم والطاقة والفخر لانتمائنا إلى أرض يمشى عليها.

أ.د مصطـفى جــوده

المراجع:

1- رجاء النقاش: " نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته " – مركز الاهرام للترجمة والنشر – 1998 ص 322.

2- نفس المرجع ص 317

3- إمانويل كِنت: " مقدمه لكل ميتافيزيقا مقبلة " ترجمة نازلي إسماعيل حسين – دار الكاتب العربي للطباعة والنشر 1967 ص 16.

4- سيد قطب: كتب وشخصيات، مطبعة الرسالة، 1946، ص 167

© 2005-07 Dar El Shorouk. All rights reserved. A CLIP Solutions Production.